شهدت تركيا خلال الأيام الماضية أحداث عنف دامية اندلعت بعد تعرض شاب تركي للطعن على يد لاجئ سوري، وقد أدت هذه الحادثة إلى شن مجموعات معادية للمهاجرين هجمات على منازل وأماكن عمل وسيارات السوريين في المناطق التي يعيشون فيها.

انتهت هذه الأحداث بعد وقت قصير بفضل التدخل الحازم لقوات الشرطة، ولكن ما حدث سلط الضوء على مشكلة هامة بدأت تطفو على السطح بشكل متزايد، وخلّف شعورا بعدم الارتياح لدى طالبي اللجوء والمقيمين العرب الذين يصل عددهم إلى 5 ملايين.

إن المعارضة التركية تحاول إثارة مسألة المهاجرين السوريين منذ سنوات بهدف إحراج الحكومة، وهي تستخدم أسلوبا بالغ الخطورة وغير إنساني قد يتسبب في اضطراب السلم الاجتماعي.

وتعد هذه السياسة مثالا صارخا على أن المعارضة في تركيا لا تفوت أي فرصة يمكن استغلالها من أجل الضغط على أردوغان وحشره في الزاوية على عكس المعتاد في باقي دول العالم، حيث تكون المعارضة اليسارية والاشتراكية قريبة جدا من اللاجئين وتدافع عن حقوقهم، وعندما ترفض الحكومات قبول اللاجئين وتعمد إلى انتهاك حقوقهم تحرص المعارضة اليسارية في بلدان العالم على الدفاع عن حق اللاجئين في الحصول على اللجوء والمعاملة الإنسانية.

لكن في تركيا لا تسير الأمور على هذا النحو، فالمعارضة اليسارية أكثر عداء تجاه المهاجرين من الأوساط اليمينية والمحافظة، ومن بين الأمثلة على ذلك أن رئيس بلدية بولو المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري قرر -بمساندة أعضاء حزبه الذين يشكلون أغلبية داخل المجلس البلدي- التصديق على قرار يجعل فواتير استهلاك المياه المفروضة على السوريين في هذه المدينة 10 أضعاف ما يدفعه المواطن التركي، ولكن بما أن هذا القرار عنصري لن يكون نافذا، وكل من يطبقونه سيعرضون أنفسهم للملاحقة القانونية.

لكن مجرد التلويح بهذا القرار بموافقة كل أعضاء الحزب يعكس حجم العنصرية المتفشية في أوساط المعارضة اليسارية في تركيا، وبالتأكيد تمثل هذه العنصرية انعكاسات الجهل وغياب الوعي، ولها علاقة مباشرة بنظام التعليم، فعلى مدى 80 عاما -أي قبل أن يصل حزب العدالة والتنمية للحكم- تم تلقين الأطفال الأفكار الهدامة التي ينشرها حزب الشعب الجمهوري، وخلال كل تلك السنوات تم زرع العقلية الانفصالية والعنصرية والأنانية داخل نفوس الناشئة عوضا عن القيم الإنسانية والكونية ومبادئ الأخوة الإسلامية.

ولكن لحسن الحظ خرج مؤخرا جيل جديد لم ينشأ على هذا التعليم الذي ينشر الجهل، وهو جيل يبدو واعدا لمستقبل تركيا، ويمكن الجزم بأنه كلما ابتعدت النزعة القومية العنصرية في تركيا عن الإسلام زادت المسافة التي تفصلها عن الشعب.

أثناء تدخل قوات الشرطة لفض أعمال الشغب التي استعملت فيها الحجارة والعصي ضد أحياء اللاجئين السوريين اعتُقل أكثر من 100 شخص كلهم تقريبا يتشاركون نفس الصفات، وهي بالأساس الإدمان على المخدرات واستعمال الأسلحة البيضاء، ويمكن لهذه الشريحة من الشباب أن تتأثر بسهولة بالاستفزاز والتحريض.

ومن بين الأسماء التي عملت على إذكاء نعرة الكراهية والعنصرية ضد اللاجئين في تركيا أوميت أوزداغ البرلماني المعارض وعضو حزب “الجيد”، ومن المفارقات الطريفة أن أوميت نفسه ليس من أصول تركية بل تنحدر عائلته من داغستان، وقد جاءت إلى تركيا قبل 130 عاما، وهذا الأمر ينطبق على الكثير ممن يحرضون على العنصرية في تركيا، حيث إنهم يحملون جذورا أجنبية، وقد هربت عائلاتهم خلال القرن الماضي خوفا من ويلات الحروب التي دارت في ذلك الوقت في أوطانهم.

تتصدر تركيا في الوقت الحالي ترتيب الدول التي فتحت أبوابها لأكبر عدد من اللاجئين في العالم، وذلك حسب بيانات رسمية صادرة عن الأمم المتحدة، وخلال السنوات العشر الماضية هاجر ما لا يقل عن 5 ملايين شخص إلى الأراضي التركية بالطرق الشرعية وغير الشرعية بسبب الأزمات التي تشهدها سوريا ودول أخرى في المنطقة، ومن الصعب على أي بلد استيعاب هذا العدد من الأجانب خلال وقت قياسي دون مواجهة مشاكل اجتماعية.

ويمكن اعتبار قدرة تركيا على قبول هذا العدد دون حدوث مشاكل كبرى دليلا كافيا على أن المجتمع التركي بشكل عام ينبذ العنصرية وكراهية الأجانب، وباتت تركيا اليوم أكثر ازدهارا وديمقراطية وليبرالية، وأصبحت أكثر جاذبية للأجانب، لكن هذا المناخ الديمقراطي هو الذي يتيح للبعض نشر الدعايات المغرضة ضد اللاجئين.

خلال الأيام الأخيرة وفي ظل الاضطرابات التي تشهدها أفغانستان لاذ بعض الأفغان بالفرار إلى تركيا وانتشرت بعض صور المهاجرين غير النظاميين التي تم استغلالها لخلق حالة غضب في المجتمع، لكن لا بد من التأكيد أن أعداد هؤلاء الوافدين على الأراضي التركية تم المبالغة في تقديرها، وذلك من أجل تصوير الأمر على أنه غزو للبلاد.

في كل البلدان عادة ما يكون الأجانب هم كبش الفداء لدى المجموعات المعارضة داخل المجتمع، وشيئا فشيئا بدأت كراهية الأجانب تتحول إلى بطاقة ترامبية (نسبة إلى دونالد ترامب) يتم استخدامها ضد الحكومة التركية، حيث يتم التركيز على الأموال التي تصرف على الأجانب كلما لاحت بوادر أزمة اقتصادية، وغرض المعارضة من هذا التشويه ليس إيضاح الحقيقة للناس، بل تسجيل نقاط سياسية ضد الحكومة لا غير.

لكن على كل حال ليس هناك داع للقلق، فالشعب التركي يقظ بما يكفي ليتصدى لهذا التحريض، والإجراءات المتخذة من طرف السلطات كانت كافية للسيطرة على الوضع، ورغم موجة التحريض فإن الشعب التركي لم يتقبل أبدا صور الاعتداءات غير الإنسانية على اللاجئين المضطهدين والأطفال الأبرياء الذين وصلوا إلى تركيا فارين من هول القصف والمذابح.