مع استمرار النقاشات حول مسألة اللاجئين في تركيا بشكل متزايد إثر مشاهد جديدة حول الهجرة الأفغانية غير الشرعية ، يتضح في الحقيقة عدم استعدادنا على هذا الصعيد كدولة على الرغم من أن الوقت الذي أتيح لنا كان طويلًا بما فيه الكفاية.

تعتمد سياستنا الخاصة بالهجرة غير الشرعية إلى حد كبير على الزمن الذي حدده المهاجرون أو الرؤية التي يضعونها لأنفسهم.

حينما نتحدث عن المهاجرين الذين لجؤوا إلى تركيا بسبب النزاعات في بلدانهم، نجد أن بعضهم جاء إلى تركيا على اعتبار أن إقامته فيها لن تطول بل هي مرحلة قصيرة جدًّا ريثما يعود لوطنه، إلا أن تلك النزاعات لم تنته سريعًا بل لا تزال قائمة، أما البعض الآخر فإنما جاء إلى تركيا على اعتبار أنها محطة عبور نحو أوروبا.

وحين النظر إلى أوضاع بلاد القادمين سواء من أفغانستان أو سوريا أو العراق أو غيرها من الجمهوريات التركية بآسيا الوسطى، لا يوجد مؤشر تحسّن واضح يمكّنهم من العودة إلى هناك، ولذلك السبب تطول مدة بقاء هؤلاء المهاجرين بشكل لا مفر منه، وكلما طالت مدة بقاؤهم ازداد مستوى اندماجهم مع المجتمع. وفي المقابل نقوم نحن ببناء رؤيتنا وتوقعاتنا وسياستنا الخاصة بالمهاجرين بناء على مرحليّتهم فحسب.

لا شك أنه يجب تحقيق مساهمة دولية من أجل تحقيق الظروف الضرروية لهم، ومع ذلك نجد أن تركيا تمكنت من إيقاف الهجرة غير الشرعية من سوريا عبر المناطق الآمنة التي أنشأتها داخل سوريا، لكن دون تركهم للموت أو الجوع، وعلى صعيد آخر نجد أن دورها الذي تحاول لعبه في أفغانستان عبر الجهود الدبلوماسية يهدف للغرض ذاته. وبالطبع تعتبر الطريقة الأكثر فعالية من أجل إيقاف الهجرة في مكانها هي تحسين الأوضاع والقضاء على الأسباب التي تدفع الشعب الأفغاني للهجرة نحو الخارج. ولذلك فإن تركيا على علاقات جيدة مع طالبان والأطراف الأخرى في الحكومة الأفغانية، وتعمل معهم.

وفي العودة إلى موضوعنا الرئيسي، يجدر بنا التأكيد على أن سياسة الهجرة لا يمكن بناؤها على اعتبار أن المهاجر سيعود بعد وقت قصير وما شابه. ولذا فإن تركيا كدولة تحتضن المهاجرين على مر التاريخ باستمرار، تحتاج إلى تطوير سياسة هجرة أكثر تقدمًّا ومؤسساتية وتنظيمًا، من خلال مساهمات علماء الاجتماع وعلماء النفس والأنثروبولوجيا وعلماء السياسة والعديد من العلماء الاخرين.

ولذلك فإن دائرة الهجرة تحتاج إلى إعادة هيكلة بمنطق يتجاوز مجرد منح الإقامة ومطاردة الهجرة غير الشرعية باعتبارها مشكلة أمنية.

على الرغم من أننا نتمتع بتجربة طويلة الأمد على مر التاريخ، وعلى الرغم من أن منطقة الأناضول هي مجتمع مهاجر بشكل شبه كامل، إلا أننا أمام مشكلة خطيرة تتمثل في “أن المهاجرين القدامى لا يقبلون بالمهاجرين الجدد”.

ومع ذلك فإن هذا يبقى ردة فعل طبيعية في جميع مجتمعات الهجرة. ويبقى عدم قبول ذلك، أو العداء الصريح للهجرة والأجانب بمثابة مشكلة حقيقية في أي مجتمع يحتضن الهجرة. ومن أجل التعامل مع هذه المشكلة، عُقدت العديد من النقاشات حول الأبعاد الإنسانية لا سيما في السياسة التي تسلكها أوروبا والولايات المتحدة.

وفي هذا الصدد تعتمد أقوى انتقادات سياسة اليسار ضد السياسة المعادية للهجرة، على حجة هي؛ أن سبب الهجرة هو الاضطرابات وعدم الاستقرار الناجم عن التدخلات الإمبريالية الأمريكية والأوروبية في تلك البلدان. ولذلك السبب فإن على الدول الرأسمالية تحمل المسؤولية وعدم إغلاق أبوابها أمام الهجرة.

إن الشعوب التي تعرضت رفاهيتها للاستعمار من قبل الدول الرأسمالية، تتمتع بحقوق في نهاية المطاف وستأتي هذه الشعوب للمطالبة بحقوقها، ولذا فإن إغلاق الأبواب أمامها يعتبر عدم مسؤولية إنسانية على وجه الخصوص.

وفي الواقع أدّت التدخلات الأمريكية في أمريكا اللاتينية إلى جعل بلدان الأخيرة غير صالحة للعيش إلى حد كبير، مما جعل هجرة شعوب هذه البلدان والهرب منها أمرًا لا مفرّ منه، إلا أن الاتجاه السياسي في الولايات دائمًا ما كان متفهمًا لهذه الهجرات ومستعدًا لها. ومن جانب آخر، كانت الولايات المتحدة تنظر لهذه الهجرات سواء من أمريكا اللاتينية أو من جميع أنحاء العالم، على أنها فرصة لتنمية البلاد وضمان التعددية الثقافية والتنوع، كما قيّمت هذه المشكلة على أساس منطق التكامل الناجح واستيراد الأدمغة لسنوات عديدة.

أيضا الهجرات التي انطلقت من البلاد المستعمَرة نحو بلدان أوروبا المستعمِرة لا سيما بريطانيا وفرنسا وهولندا، كانت نتيجة سياسات بلاد الاستعمار دون شك، لكن مع ذلك كانت هجرات متوقعة وتم تقييمها إلى حد كبير كقناة للحفاظ على علاقة وروابط أكثر فعالية مع تلك البلاد.

أما قضية المساهمة المباشرة وغير المباشرة لهذه الهجرات في اقتصاد بلاد المهجَر فهي قضية منفصلة.

يشكّل اليوم الشتات من الهند وباكستان وبنغلاديش ودول إفريقية أخرى في بريطانيا عددًا كبيرًا من السكان. وبما أن مهاجرًا مسلمًا يمكنه الفوز برئاسة بلدية لندن، فتصوّرا الباقي إذن أنتم. لا سيما وأنه لا يوجد أي أثر للمشاعر المعادية للمهاجرين في بريطانيا على عكس الحال في تركيا.

لا شك أن هناك كتلة مناهضة للمهاجرين أيضًا، إلا أنهم لا يعبّرون حتى عن آرائهم أو ردود أفعال عدائية بمستوى يصل إلى قاع متدنّي من اللاإنسانية كما هو الحال لدى المعارضة في تركيا، وحتى ولو قاموا بذلك فلن يتمكنوا من العثور على عدد كبير من المؤيدين كما هو الحال هنا.

لا شك أن ما قام به رئيس بلدية بولو التركية المعارض هو عنصرية جاهلة بشكل علني وصريح. ومن الممكن أن يتجسد ويتكرر هذا المستوى من الجهل في كل مجتمع. لكن حينما يصل الوضع لمستوى التجرؤ في الطرح بهذه الطريقة وجمع مؤيدين حوله فإذن نحن أما مشكلة مجتمعية خطيرة.

حينما لا يتم قمع الجهل العنصري حيث يوجد ويُرى، فإنه مع الأسف سيؤدي إلى ممارسات غير إنسانية ربما كان من السهل وَءْدُها قبل أن تحظى بتشجيع وتأييد. حينما قام رئيس بلدية بولو بتهديد المهاجرين بقطع الماء عنهم، نتج عن ذلك أن تجرّأت إدارة مبنى سكني هناك على طرد الساكنين المهاجرين من المبنى، بعد أن عاشوا لسنوات مع بعضهم البعض. على الرغم من أنهم لا يمتلكون هذا الحق القانوني، لكن كان من المتوقع أن نشهد هذه السلوكيات العنصرية في بيئة تنتشر فيها العنصرية المحرّضة يومًا بعد يوم.

إن الشعب التركي ليس شعبًا عنصريًّا، لكن العنصرية في النهاية يمكن أن تنتشر كما ينتشر الفيروس. إنها مثل السوس ينخر ويمكن أن يقضي على بلد ويأكله من الداخل والخارج. وإن هذا بحد ذاته يعتبر أقوى أنواع الاغتيال لتركيا التي كانت قرّة عين الإنسانية عالميًّا عبر سياستها الإنسانية لسنوات عدة.

هناك تدابير لا بد من اتخاذها في سبيل مكافحة هذا الوضع القائم على معاداة المهاجرين، ولا بد أن تشمل هذه التدابير دائرة الهجرة أيضًا.