ما حدث مؤخرًا في ألتنداغ بالعاصمة أنقرة ينبغي أن يكون تحذيرًا كافيًا حول الأبعاد المروّعة التي يمكن أن يصل إليها مستوى التوتر ضد المهاجرين، والذي يشهد تصاعدًا واضحًا في الآونة الأخيرة من قبل بعض الأطراف السياسية.

إن تلك المناقشات التي بدأت من خلال خطاب لا يستند إلى أساس عقلاني وقانوني واجتماعي، يمكن أن تتحول خلال وقت قصير فحسب من مجرّد خطاب ينعش لغة السياسيين، إلى حالة عداء خطيرة ضد اللاجئين.

من يتحمل مسؤولية المشهد الخطير الذي يمكن أن ينتج عن هذا العداء حينما يحقق مبتغاه؟ من يستطيع النظر إلى وجه الطفل المخضّب بالدماء ثم يدافع عن ذلك العداء؟ من الذي يقارن نفسه مع أولئك المخربين الذين فقدوا عقولهم ووعيهم وحكمتهم وصاروا يرمون الحجارة على أطفال عزّل لا يقدرون على الردّ أصلًا؟

هذه النتيجة إذن أيها السياسي العنصري يا من لا تتمتع بحس المسؤولية!

لا تمتنع عن التحريض، ولا تتحمل مسؤولية ذلك وما ينتج عنه، بل تظل صامتًا دون تعليق، وعقب ذلك تخرج دون خجل كي تدعو للهدوء، ظانًّا أن ذلك سيجعلك بريئًا مما حصل.

حينما يتبنى رئيس حزب سياسي هذا الخطاب عليه أن يأخذ في عين الاعتبار الأبعاد الخطيرة التي يمكن يمكن أن تصل إليها استجابة الجمهور له. حيث أن النتيجة الوحيدة التي ستنجم عن خطاب غير مسؤول من هذا النوع ضد شريحة من الأشخاص، هو دفع جزء من الناس ضد جزء آخر في المجتمع.

لو تذكرون، فإن الجدل حول اللاجئين والمهاجرين الذي تصاعد بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة، بدأ حينما أعلن كليجدار أوغلو أنه سيرسل السوريين إلى بلدهم حينما يصل هو إلى السلطة.

وكي نكون واضحين يجب أن نعي بأن تلك التصريحات هي من أوصلت تركيا لما هي عليه الآن، وشغلت الرأي العام بتلك القضية.

ما أهمية تصريح كليجدار أوغلو الذي قال خلاله أنه سيقوم بإرسال السوريين إلى بلدهم وسط قرع الطبول والزمور؟ أليس من المفترض أن يكون فطنًا كي يعي أن تصريحه هذا الذي يحرّض الناس، لن يعلق منه في أذهانهم سوى كلمة “إرسال السوريين وإعادتهم”، أما الطبل والزمور فسيحل محلّه العنف والتخريب والحجارة والعصيّ وإيذاء الناس؟ أليس واضحًا للغاية أنه لن يقوم بإرسال السوريين وسط الطبل والزمور، بل سيتحول الطبل إلى آلة وحشية همجية تؤذي الناس وتفتك بهم؟

من الخطير جدًّا أن يتحول حدث مؤلم تشهده تركيا أمثاله كل يوم، إلى ذريعة للقيام بأعمال عدائية ضد مجموعة من الناس دون تفريق، فبدلًا من أن يكون الحدث على هيئة قاتل وقتيل، يتحول الحدث إلى التركيز على كلمة “سوري” بدلًا من “قاتل”، و”تركي” بدلًا من “قتيل”، مما يخلق شرارة خطيرة لانفجار اجتماعي.

ومن أجل إشعال هذه الشرارة كان في مكان الحدث ذلك اليوم مجموعة من السياسيين المعادين للاجئين-السوريين يحرّضون وينفخون سمومهم من الصباح إلى المساء. وإن دورهم “الفعّال” في ما جرى يفوق بكثير دور بعض السياسيين من حزب الشعوب الديمقراطي خلال أحداث 6-8 أكتوبر 2014.

يجب أن يكون هناك ردّ مقابل التحريض الذي يحرّك مشاعر الكراهية والضغينة لدى مجموعة من الناس ضد مجموعة أخرى. كما أنه من المفترض أن تكون هناك عقوبة منفصلة خاصة بسوء استخدام المشاعر الوطنية للبلد.

الأسوا من ذلك في الحقيقة هو أن أصحاب الخطاب التحريضي ضد اللاجئين-السوريين لا يترددون في اتهام من لا يتفق معهم في ذلك، أو يعارضهم بأنه “معادٍ للأتراك”. لكنهم في الأصل هم الذين يقومون بممارسة أشد أنواع العداء ضد الشعب التركي، من خلال كراهيتهم وأجندتهم الخفية. لا يمكنني أن أقول أنهم ليسوا مدركين لنتائج تحريضهم، ولا يفعلون شيئًا دون العلم به، وأي فعل يقومون به فإنما يكون عن قصد وتعمد.

لقد قلت سابقًا، أنّ جزءًا كبيرًا من هؤلاء المحرّضين ليسوا من أصول تركية في الواقع، إلا أنهم يمارسون عنصرية تركية. لقد أتوا إلى هذا البلد منذ وقت قريب للغاية، لكنهم الآن أخذوا على عاتقهم مهمة تحريض الشعب ضد المهاجرين والإيقاع فيما بين الناس.

إنهم يجسدون حالة غريبة من التعصب تتهم كلّ من لا يتوافق مع تحريضهم وعنصريتهم بأنه معادٍ للأتراك. إلا أن ما يمارسونه هم يعتبر العداء الأشد للقومية التركية والشعب التركي.

إن أعظم خدمة يمكن تقديمها للقومية التركية هو خلق شعور وفكر ومناخ مثالي من شأنه أن يحافظ على هذه الأمة وأن يعيش 85 مليون من أفرادها مع بعضهم البعض. ما نحتاجه هو خطاب ولغة وسياسة تحافظ على تماسك المجتمع ضمن وحدة وتضامن. وفي المقابل يعتبر أكبر عداء للأتراك هو تحريض جزء من مجتمعه بمشاعر الحقد والكراهية ضد جزء آخر.

لقد رأينا دائمًا هذا العداء منهم، لكننا لم نسمع منهم حتى الآن أي خطاب يحثّ على الحب أو التفاهم أو الصداقة أو الإيثار، نحو شرائح المجتمع المختلفة. بل لا يجيدون سوى لغة ثابتة من الكراهية والعداء. حينما يتحدثون تجدهم ناقمين على الجميع، غاضبين من الجميع، ومعادين للجميع. أما الذين لا يتفقون معهم في الضغينة والكراهية والعداء فمن السهل وصفهم بأنهم “أعداء الأتراك”.

إنه عداء يمكن وصفه بخوارج القومية، بل ربما يكون تكفيرًا قوميًّا أيضًا. بينما تمخضت سلسلة من عمليات البحث عن الإسلام التركي لسنوات طويلة، عن مذاهب عدة مثل الحنفية والماتريدية وغيرهما، فإن هؤلاء المحرضين لا يليق بهم سوى الخوارج.

إن المقياس الذي من شأنه أن يحدّد من هو عدو للأتراك وصديق لهم، واضح وصريح للغاية: حيث أن عدو الأتراك هو ذاك الذي يحرّض شريحة من المجتمع ضد شريحة أخرى، ويتعامل وفق تمييز وانفصالية. لأن الشيء الوحيد الذي يفسد نسيج أمة ما، هو الإضرار بوحدتها وتضامنها.

لا تكترثوا لهم وهم يتحدثون بغضب واستياء على الدوام، وكأنهم يطالبون بحق يبتغون الحصول عليه. فهم لا يخفون تحت هذا الخطاب والمظهر سوى عداوة هذه الأمة.