يحل علينا هذه الأيام عيد الأضحى المبارك ليذكرنا بما حدث مع ابني سيدنا آدم اللذين تعرضا لاختبار تقديم أول قربان في تاريخ البشرية، هذا الأمر ظل يتكرر طوال تاريخ البشرية المليء بالمواقف التي توجب علينا أن نختار بين التضحية أو عدمها.

طقوس التضحية في عيد الأضحى ليست شكلا من أشكال العبادة فقط، بل هي مشحونة دائما بالمشاعر والنقاشات والفتن والإغراءات التي تصاحب كل عبادة تتضمن تقديم التضحية، علينا أن نبقى بعيدا عن أولئك الذين لا يعرفون هذه الشعيرة أصلا ولا يعترفون بها، ويرفضون الالتزام بها منذ البداية، ومن الأفضل لهؤلاء ألا يخوضوا في هذا الموضوع.

لكن الغريب أن هؤلاء غالبا ما يصدعون بآرائهم ومواقفهم تجاه هذه المناسبة الدينية رغم أنهم غير مستعدين لهذا النوع من الاختبارات ولتقديم التضحيات، في هذه الفترة من كل عام نشهد تنوعا كبيرا في الآراء بين أولئك الذين يفضلون التخلص من هذا الاختبار عبر تقديم أضحية سهلة وزهيدة الثمن كما هو الحال مع قابيل وأولئك الذين يرغبون في تأدية هذه الشعيرة على أكمل وجه كما هو الحال مع هابيل، وفي مشهد مشابه نلاحظ في هذا العصر أن البعض يحاول أن يتقمص عباءة الاجتهاد والفتوى وادعاء جواز التضحية بالدجاج والديك الرومي.

يعمل هؤلاء على نشر بعض الأوهام والادعاءات من قبيل أن التبرع بمبلغ من المال أفضل من ذبح حيوان في عيد الأضحى، ولذلك فإننا ننأى بأنفسنا عن هذه الآراء التي تجهل أو تتجاهل المعاني العميقة لشعيرة تقديم القربان.

في الواقع، يمكننا أن نقول إن هذه الأصوات التي نسمعها كلما اقترب عيد الأضحى -رغم سلبيتها- هي ما يجعل هذه التضحية اختبارا حقيقيا، ولنا عبرة في قصة سيدنا إبراهيم مع ابنه إسماعيل التي هي بلا شك قصة فريدة من نوعها في تاريخ التضحية البشرية، وهي التي حددت شكل وكيفية تقديم القربان، هذه القصة يمكننا من خلالها أن نفك شفرات الوجود البشري على كوكب الأرض منذ قديم الزمان، وهي تتضمن أسرارا ودروسا قد لا يستوعبها كثيرون.

هذه القصة توضح لنا أيضا أن هناك أشخاصا غير قادرين عن التخلي عن ممتلكاتهم التي يحبونها ابتغاء مرضاة الله، هؤلاء يستسلمون لشهواتهم وأوهامهم عوضا عن قبول التضحية.

قصة سيدنا إبراهيم تبين أيضا أن قرار التضحية يجب أن يكون بشكل طوعي وعن اقتناع تام، وهو يتضمن التخلي عن منزلة سابقة من أجل الاقتراب من منزلة أفضل.

وفي ظل ثبوت مبدأ الاختيار في عملية التضحية فإن الشيطان والأوهام يشكلان دائما جزءا من الاختبار، وفي كل مناسبة أو مرحلة نلاحظ وجود أشخاص يشككون في هذه الشعيرة.

وأحيانا يسبب هؤلاء بعض الشك في نفوس الناس من خلال ما يتذرعون به من حجج قد تبدو للوهلة الأولى علمية وفلسفية وإنسانية وهي في الواقع خاطئة.

يجب القول إن التضحية هي عملية تتضمن اتخاذ قرار واحد والتضحية في الوقت ذاته بعدة خيارات أو أشياء أخرى.

هذا ينطبق على سيدنا إبراهيم الذي عاش داخل حدود جغرافية معينة، وتمكن ضمنها من الوقوف في وجه الملك نمرود، ورغم أن والده كان يعبد الأصنام فإنه تجرأ على تحطيمها وعوقب بالرمي في النار، وفي هذا الموقف شاهد الناس كيف تلقت النار أوامر إلهية حتى تكون بردا وسلاما على سيدنا إبراهيم.

هذا الاختبار -الذي اجتازه سيدنا إبراهيم بكل نجاح داخل نطاق جغرافي محدود- له معانٍ كونية تشمل كل البشر.

نحن أيضا في هذا العصر مطالبون باتخاذ قرارات واختيارات مصيرية تجاه ما يحدث في سوريا وميانمار وكشمير واليمن وليبيا والعراق، وجميعها اختبارات حقيقية بالنسبة لنا.

يجب على من يدلون بآرائهم بخصوص اللاجئين الذين وصلوا إلى تركيا أن يأخذوا هذه القيم والأفكار بعين الاعتبار، قبل أن يطرحوا شبهات مفادها أن اللاجئين الأجانب يستولون على مقدرات أبناء البلد ووظائفهم، وسيبقون هنا كضيوف إلى الأبد.

في الواقع، هؤلاء الذين يأتون إلى الأراضي التركية هم في أمس الحاجة للمساعدة، وينبغي علينا ألا نفكر في أنهم يفسدون حياتنا من خلال التسول في الطرقات وقبول الوظائف بأجر زهيد.

لو كان المجال يسمح بذلك لقمنا بتحليل كل هذه الآراء والمعتقدات لنبين أن كلا منها هو في الواقع اختبار لقدرتنا على التضحية.

يجب علينا ألا نغوص في هذه المسائل دون أن نتدبر أولا معاني التضحية والمقاصد السامية والحقيقية من مناسبة دينية مهمة مثل عيد الأضحى.

لذلك أدعوكم للاحتفاء بعيد الأضحى والاقتراب أكثر من الحقيقة والابتعاد عن الزيف والكذب، دعونا جميعا ننأى بأنفسنا عن الطغاة مهما كانت أسماؤهم، ونقترب أكثر من ضحايا الطغيان في كل مكان.