“ربِّ لا تكتب على هذا الشعب كتابة نشيد وطني مرة ثانية”؛ تلك هي الأمنية الوحيدة لمحمد عاكف آرصوي شاعر الاستقلال التركي أو شاعر الإسلام كما يحب تسميته أدباء عرب.

في 12 مارس/آذار عام 2021 تمت المصادقة على اعتماد النشيد الوطني لتركيا في البرلمان، تبعه احتفال بمرور 100 عام عليه. ويتم سنويا الاحتفال بهذا التاريخ، حيث إن النشيد التركي أكثر من مجرد نشيد لجميع الأتراك.

كان نشيد الاستقلال يعبر عن إرادة الناس الذين اجتمعوا من أجل النضال لمستقبل تركيا، وكل التجارب التي مروا بها والمشاعر التي كانت تعتريهم في تلك الفترة الخطيرة، وقد برع محمد عاكف آرصوي في ترجمة تلك المشاعر. وفي الحقيقة، ما فعله يتجاوز مجرد الترجمة، إذ إنه من خلال شعره خلق أحاسيس وفتح آفاقا جديدة.

أعلِن بشكل رسمي أن 2021 هو العام الذي سيتم على مداره الاحتفاء بالشاعر محمد عاكف آرصوي ونشيد الاستقلال الذي كتبه. وتعود أهمية هذا النشيد إلى الظروف العصيبة التي كانت تمر بها تركيا عندما تم تأليفه واعتماده، بالإضافة إلى البلاغة والجمالية التي أظهرها المفكر الإسلامي محمد عاكف آرصوي في هذه الأبيات.

إن هذا النشيد الذي يتم اليوم ترديده وسط أجواء الاستقرار والأمن، تم رفعه لأول مرة أمام البرلمان التركي أثناء حرب الاستقلال، وحينها أجمع كل المستمعين على أن هذا العمل هو الأفضل على الإطلاق من حيث الكلمات والجمال والجودة الشعرية. وبعد قراءة واحدة فقط كان المستمعون يرددونه ويحفظونه عن بعضهم، وذلك على الرغم من مشاركة عدد كبير من الأعمال في مسابقة اختيار النشيد الوطني.

في ذلك الوقت، كان نشيد الاستقلال يعبر عن إرادة الناس الذين اجتمعوا من أجل النضال لمستقبل تركيا، وكل التجارب التي مروا بها والمشاعر التي كانت تعتريهم في تلك الفترة الخطيرة، وقد برع محمد عاكف آرصوي في ترجمة تلك المشاعر. وفي الحقيقة، ما فعله يتجاوز مجرد الترجمة، إذ إنه من خلال شعره خلق أحاسيس وفتح آفاقا جديدة.

الأبيات التي كتبها محمد عاكف آرصوي يطول الحديث حولها من النواحي الشعرية والفنية والفلسفية، إلا أن أكبر شاهد على عظمة هذا الشاعر والمفكر؛ هو الناس الذين تأثروا بشكل شخصي بهذا النشيد وشعروا بأنه لامسهم بشكل مباشر وعبّر عن حياتهم.

ويؤمن الكاتب بأن النشيد الوطني التركي ليس مجرد أبيات شعرية، ولا تنطبق عليه الآية القرآنية التي تقول “والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون”، فهو ليس مجرد عمل فني ذي بعد جمالي فقط لا يعني شيئا بالنسبة لحياة الناس.

إن هذه القصيدة المكونة من 10 مقاطع تحمل عبرا عظيمة لهذه الأمة التي سكنت هذه الأرض منذ ألف عام، ونشرت فيها السلام والأمن والعدالة، ثم حان الوقت لتحارب من أجل الحياة ومن أجل المستقبل. وخلال تلك الفترة الصعبة التي كان فيها الأعداء يهاجمون تركيا، وكانت إسطنبول وإزمير وصقاريا وأفيون تحت الاحتلال، وكانت كل جهود الأعداء تهدف لتدمير الأمة التركية، جاء هذا النشيد ليبدأ بعبارة “لا تخف”، حيث ورد في مطلع هذه القصيدة:

لا تخف، لن تخمدَ الرايةُ الحمراءُ في شفقِ السماءْ

قبلَ أن تخمدَ في آخر دارٍ على أرض وطني شعلةُ الضياءْ

إنها كوكب سيظلُ ساطعا فهي لأمتي الغراءْ

إنها لي ولشعبي دون انقضاءْ

وقد وقع اختيار الشاعر على هذه الكلمات لأن الأوضاع كانت تبعث في النفس الكثير من المخاوف، حيث إن القوات اليونانية كانت تواصل تقدمها على جبهة مدينة بورصة، ولم تكن هناك مؤشرات تبشر برحيل الغزاة، سواء كان ذلك في وقت قريب أو بعد انتهاء الاحتلال البريطاني لإسطنبول.

وبعد 85 عاما من وفاته، لا يزال الشاعر آرصوي رمزا فكريا وأدبيا حيا في العالم الإسلامي، الذي تنقل فيه بين تركيا العثمانية والجمهورية والبلقان وسوريا ومصر، التي عاش فيها أكثر من 10 سنوات، بالإضافة إلى لبنان والجزيرة العربية.

ولد آرصوي في إسطنبول عام 1873، لأب قدم من قرية في غرب كوسوفو للدراسة، وراح اسمه يصعد بقوة في الساحتين الأدبية والأكاديمية، لا سيما بعد انضمامه في 1908 إلى جامعة إسطنبول أستاذا للأدب العثماني، ومشاركته في إصدار مجلة “صراط مستقيم” التي نشر فيها معظم قصائد ديوانه الأول “صفحات” الصادر عام 1911.

أبدى الشاب محمد عاكف اهتماما بمؤلفات الشيخ محمد عبده الذي ترجم له “الإسلام بين العلم والمدنية” (1901)، ردا على وزير الخارجية الفرنسي آنذاك غابرييل هانوتو، الذي أعاد أسباب تأخر المسلمين إلى الإسلام نفسه، كما ترجم إلى التركية كتاب “اعتناق الإسلام”.

ومع بداية حرب الاستقلال بزعامة مصطفى كمال أتاتورك؛ استقال محمد عاكف من عمله الحكومي، والتحق بالمعركة خطيبا وشاعرا متجولا يثير حماسة الأتراك للمشاركة في الدفاع عن وطنهم أمام الاحتلال البريطاني والفرنسي واليوناني، وفي هذا السياق انتخبته بلدة بوردور (جنوبي غربي تركيا) لتمثيلها في “المجلس الوطني الكبير”، الذي افتتح بأنقرة في أبريل/نيسان 1920.

وأصبح آرصوي واحدا من أكثر الشخصيات شهرة في الأدب التركي أوائل القرن الـ20، وتناولت قصائده المشكلات الاجتماعية والقضايا الفلسفية والدينية والسياسية والأخلاقية. وجاءت في 7 دواوين شعرية، وبرزت مواهبه الشعرية في غضون الحرب العالمية الأولى، وألهب مشاعر الأتراك بقصائد دعا فيها للوحدة الإسلامية، بينها قصيدة “المراحل” (1911) و”محاضرة في السليمانية” (1912) و”أصوات الحق” (1913) و”محاضرة في الفاتح” (1914) و”مذكرات” (1917) و”عاصم” (1924) و”الظلال” (1933).

وسط تلك الأجواء القاتمة، نجح محمد عاكف آرصوي في رسم صورة مشرقة حول المستقبل، وهي صورة تزداد جمالا يوما بعد يوم. ولكن مع الأسف بعد ذلك تم الانقلاب على القيم التي اجتمع حولها الناس، والتي عبر عنها النشيد الوطني، وحظر استخدام الحروف العربية التي كتب بها النشيد أول مرة، وتم خلق بيئة وجد فيها الأشخاص من أمثال عاكف أنفسهم يعانون من الإقصاء والملاحقة والتصفية.

وفي ظل تلك الظروف، اضطر هذا الشاعر للرحيل إلى مصر، ودخل في حالة حزن وصمت تشبه الموت، وذلك قبل وقت طويل من وفاته الفعلية.

وبالنسبة للناس، فإن هذا النشيد يعكس قوة شخصية وشعرية لا تقاوم تمتع بها عاكف، وهو ما أدى للحفاظ على أهمية النشيد الوطني. في 28 فبراير/شباط عام 1997، حاول أولئك الذين حاربوا قيم ومعتقدات ومستقبل الأمة التركية أن يفتحوا جبهة جديدة ضد نشيد الاستقلال، وسعوا لاستبداله بنشيد آخر في الذكرى العاشرة لوضعه، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل.